الجصاص
581
أحكام القرآن
أملك غيرها ! فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه من الشق الآخر فأعرض عنه ، إلى أن أعاد القول ، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورماه بها فلو أصابته لعقرته ، ثم قال : " يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى " ، وأن رجلا دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل بحال بذاذة ، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، فطرح قوم ثيابا ودراهم ، فأعطاه ثوبين ، ثم حثهم على الصدقة ، فطرح الرجل أحد ثوبيه ، فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم . ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس والأمر بالإنفاق على النفس ثم الصدقة بالفضل . قيل له : إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه لم يثق منه بالصبر على الفقر وخشي أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه ، ألا ترى أنه قال : " يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس " ؟ فإنما كره الإيثار لمن كانت هذه حاله ، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على النفس فلم يكونوا بهذه الصفة بل كانوا كما قال الله تعالى : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) [ البقرة : 177 ] ، فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك ، والإمساك ممن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار . وقد روى محارب بن دثار عن ابن عمر قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة ، فقال : إن فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ! فبعث به إليه ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها تسعة أهل أبيات حتى رجعت إلى الأول ، فنزلت : ( ومن يوق شح نفسه ) الآية . وروى الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله فقال : يا أبا عبد الرحمن قد خفت أن تصيبني هذه الآية : ( ومن يوق شح نفسه ) ، فوالله ما أقدر على أن أعطي شيئا أطيق منعه ! فقال عبد الله : هذا البخل وبئس الشئ البخل ، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حق . وروي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : ( ومن يوق شح نفسه ) قال : " ادخار الحرام ومنع الزكاة " . آخر سورة الحشر .